الخميس , أبريل 2 2020

متحف الآثار المصرية

الآثار المصرية القديمة

تمثال لإيزيس وهي ترضع “حربوقراط”
© متحف الأثار بمكتبة الأسكندرية / ع. عمر

عرض للقسم

تبدأ الفترة التاريخية المصرية القديمة بتوحيد مصر العليا والسفلى في حوالي عام 3100 ق.م. وقد استمرت هذه الحقبة ما يقرب من ثلاثة آلاف عام ازدهرت على مدارها جوانب شتى في الفنون والعلوم. وفي هذا الصدد، يعرض متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية قطعًا أثريةً تركز على الجانب الثقافي لتلك الحضارة، وتبرز أيضًا الناحية الفنية التي برع فيها المصريون القدماء.

 

 قائمة بأسماء الحكام المصريين القدماء

 

نبذة تاريخية

ظلت الحضارة المصرية القديمة عنوانًا يدل على عبقرية المصري القديم وتفوقه آنذاك في مجالات شتى، منها بناؤه لأوابد حضارية سجلت على واجهتها إنجازاته وفلسفته وحياته بالكلمة والصورة مدفوعًا لذلك باعتقاده الراسخ بعقيدة الموت الذي يتلوه البعث والخلود.

وينقسم تاريخ مصر الفرعونية إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل التاريخ أو عصر ما قبل الأسرات، وعصر الأسرات أو العصر الفرعوني والذي يتشكل من ثلاثين أسرة.

عصر ما قبل التاريخ أو ما قبل الأسرات

ينقسم بدوره إلى قسمين، القسم الأول: يمتد من الألفية الواحدة والعشرين قبل الميلاد حتى الألفية السابعة عشرة قبل الميلاد، وهو يشمل العصر الباليوليتي والإيبوباليوليتي والنيوليتي. وتتشابه هذه العصور الثلاثة في خصائصها تقريبًا؛ فقد عاش إنسان تلك الفترات على التقاط الثمار وصيد الحيوان، وسكن الكهوف التي حملت جدرانها  بعض النقوش البدائية التي تصور مشاهد لصيد الأسماك والحيوانات مثل الغزلان وآكل النمل وبعض الحيوانات الأخرى التي شاركته بيئته مثل الأفيال والنعام والزرافات. وربما عرف الإنسان حينئذ الانقلاب الحضاري الأول وهو اكتشاف النار التي هذبت من طبعه ونقلته من المرحلة البدائية إلى بداية التحضر.
أما ثاني مراحل تلك الفترة فتبدأ من الألفية السابعة عشرة قبل الميلاد إلى نحو 3100 ق. م. وهو عصر ما قبل الأسرات مباشرةً. وأحدث المصري آنذاك الانقلاب الحضاري الثاني وهو معرفة الزراعة واستئناس الحيوانات، وحاول تطويع البيئة لصالحه، وصنع الفخار، وقام بتخزين البضائع كالحبوب وغيرها في أماكن عديدة. كما ظهرت تجمعات سكانية في “العمرة” بمصر السفلى و”جرزة” و”البداري” بمصر العليا، وكذلك بالفيوم. كما عرف المصري آنذاك استخدام الطوب اللبن لأول مرة في التاريخ.

وتسمى الفترة التي تمتد من 4000 ق.م. حتى 3500 ق.م. بمرحلة نقادة الأولى وشملت مصر العليا كلها تقريبًا.

أما آخر عصور ما قبل الأسرات فهي الفترة المسماة بجرزة أو “نقادة الثانية”، وهي تمتد من 3500 ق.م. حتى 3100 ق.م. وفي هذه الفترة تم تعمير القرى فأصبحت مدنًا صغيرة، وزادت كثافة السكان، وتوسع المصري في صناعة الفخار، كما أكثر من استخدام الأحجار.

التوحيد (ويرجع إلى 3100 ق.م. تقريبًا)

قام الملك “نعرمر” بتوحيد مصر فوحد “هيراكومبوليس” و”نقادة”، وسجل اسمه داخل ما يسمى بالـ”سرخ” وهو عبارة عن مستطيل يصور واجهة القصر الملكي ويعلوها الصقر حورس، كما سجل هذا النصر على لوحته الشهيرة والمنسوبة إليه أي “لوحة نعرمر”. وتوالت الأسرات بعد ذلك والتي تقسم وفقًا لتقسيم “مانيتون” المؤرخ والكاهن المصري الشهير إلى ثلاثين أسرة تبدأ من 3100 ق.م. حتى 332 ق.م. أي مع بدء العصر اليوناني بمصر على يد الإسكندر الأكبر.

الدولة القديمة

بدأ بعد التوحيد عصر الدولة القديمة، والتي ضمت الأسرات من الأولى حتى السابعة؛ والتي دفن حكامها في أماكن مختلفة منها أبيدوس وسقارة؛ كما ظهر آنذاك بناء الأهرام والذي جاء في أكمل صوره في هرم زوسر المدرج بسقارة في الأسرة الثالثة. وقد صمم هذا الهرم هو ومجموعته الجنائزية المهندس العبقري “إيمحتب” والذي كان وزير الملك زوسر آنذاك. وكان الإله المهيمن في تلك الفترة هو الإله “رع”.
وتوالى العمران في عصر بناة الأهرام – أي في الأسرة الرابعة – فشيدوا أهرامًا لم نجد لها مثيلاً في العصور التالية؛ وتلك الأهرامات هي أهرامات كلٍّ من خوفو، وخفرع، ومنكاورع؛ واختاروا لبنائها هضبة الجيزة كما جلبوا الأحجار لبنائها من محاجر أبو سنبل.
واستمر بناء الأهرام حتى الأسرة الثامنة ولكن كانت أقل شأنًا من تلك التي بنيت في الجيزة بسقارة و”أبو صير” و”أبو غراب”؛ حيث كانت “طيبة” التي كانت تسمى آنذاك “واست” بمثابة قرية صغيرة في الإقليم الرابع من أقاليم مصر العليا.
وانتهت الدولة القديمة وفقًا لمانيتون مع حلول الأسرة السابعة، وذلك لضعف حكام “منف”. وحكم آنذاك مصر ملوك من “هيراكليوبوليس”  وهي منطقة “إهناسيا” في مصر الوسطى، وظل الحال كذلك لمدة قرن من الزمان.
وتتابعت الأسرات التاسعة والعاشرة، وظل الحال كذلك إلى أن أتت الأسرة الحادية عشرة، وحكم ملوك مصر من “طيبة”، وتلك الفترة كانت تمثل عصر الانتقال الأول، أي العصر الوسيط الأول (2160 ق.م.- 2055 ق.م.).

الدولة الوسطى

وتبدأ من أواخر الأسرة الحادية عشرة حتى الأسرة الثالثة عشرة (2055 ق.م. وحتى 1650 ق.م.)، وانتهى مع بداية الدولة الوسطى عصر الانقسام على أيدي “منتوحتب-نب-حبت-رع” فوحَّد البلاد وبنى مقبرته في الدير البحري وأعاد مركزية الحكم بعد أن حارب حكام “هراكليوبوليس” حتى يحقق هذا التوحيد.
وجاءت بعد ذلك الأسرة الثانية عشرة، وبدأت على يد أمنمحات الأول الذي كان على الأرجح وزيرًا فى عهد منتوحتب الرابع آخر ملوك الأسرة الحادية عشرة. ولقد أقام أمنمحات الأول لنفسه عاصمة جديدة جنوبي منف أسماها “إيتﭽتاوي”، وهي “اللشت” حاليًّا. ونقل ملوك تلك الأسرة مقابرهم التي كانت على شكل أهرامات إلى اللشت والفيوم وهوَّارة ولكن أتت تلك الأهرامات أقل حجمًا من الأهرامات السابقة وبخاصةٍ من ناحية الحجم ونوع الأحجار التي تم استخدامها. ونعرف الكثير عن حكام الأقاليم في تلك الفترة التي انتشرت في “بني حسن”، و”البرشا”، و”مير”، و”قاو” في مصر الوسطى، و”أسوان” في مصر العليا.
وانتهت الأسرة الثانية عشرة بأمنمحات الرابع، ثم حكمت من بعده البلاد الملكة “سوبك نفرو”. ولقد كانت السمة الغالبة على ملوك تلك الأسرة هي قصر فترات حكم ملوكها، مما لم يسمح لهم بإقامة آثار ذات قيمة، كما لم يعثر على أية إشارة لغزوات هامة قاموا بها.
وفي عصر الانتقال الثاني الذي تلا سقوط الأسرة الثانية عشرة دخلت مجموعة من القبائل الرعوية إلى الحدود المصرية وهم الذين عرفوا في النصوص المصرية باسم “الهكسوس” وهو اللفظ المشتق حقاو-خاسوت “وهو يعني “ملوك الرعاة”. وأقام “الهكسوس” عاصمة لهم فى شرق الدلتا أسموها “آفاريس” في عام1650 ق.م. وأصبحت آنذاك “طيبة” عاصمة مصر العليا، واستسلم حكام الجنوب إلى احتلال الهكسوس لشمال البلاد. ولكن سرعان ما اشتعلت الحرب فيما بعد بقيادة الملك “آبيبي” و”سقننرع”. واستمر القتال أيضًا بعد ذلك بقيادة “كاموزه” والذي وصل بالجيوش إلى “آفاريس” معقل الهكسوس. ثم جاء “أحمس الأول” ابن “سقنن رع” ليتم طرد الهكسوس من مصر.

الدولة الحديثة
(الأسرة الثامنة عشرة-الأسرة العشرين / 1550 ق.م.-1069 ق.م.)

عاشت مصر بعد النصر العظيم الذي حققه “أحمس الأول” عصرًا جديدًا من عصور الوحدة. كما أسس “أحمس  الأول” مركزًا للعبادة الملكية بأبيدوس. كما قام بالتوسع في منشآت معبد الكرنك، ورمم معبد “منتوحتب نب حبت رع” في الدير البحري.
وتلا “أحمس الأول” حكام أمثال “تحتمس الأول” و”حورمحب” الذين قاموا بحروب توسعية عديدة، وذلك بغرض القضاء على أي تهديد أو خطر خارجي يهدد أمن البلاد.
وقام “تحتمس الأول” ببناء أول مقبرة ملكية بوادي الملوك؛ ثم تلاه “تحتمس الثاني” الذي تزوج بحتشبسوت التي تولت مقاليد الحكم بعد موته، وذلك على الرغم من اعتلاء “تحتمس الثالث” عرش البلاد رسميًّا مستغلة بذلك صغر سنه، وبنت حتشبسوت آنذاك واحدًا من أجمل المعابد المصرية من حيث العمارة.
تلا “تحتمس الثالث” “أمنحتب الثالث”، ثم “أمنحتب الرابع”، الذي عُرف بأخناتون والذي أحدث ثورة دينية لم يسبق لها مثيل في العصور الفرعونية حيث كان مؤسسًا لعقيدة قوامها التوحيد، ونقل العاصمة الدينية للبلاد إلى “آخت آتون” التي عرفت فيما بعد بتل العمارنة.
بعد وفاة “أخناتون” تولى الحكم ابنه “توت عنخ آمون” الذي أعاد الأمور إلى نصابها؛ فأعاد تأسيس وإصلاح معابد الإله آمون في محاولة منه لاسترضائه، كما رمم كل التماثيل والكتابات التي دمرها عمال “أخناتون”. ومات “توت عنخ آمون” ودفن بمقبرته بوادي الملوك. ثم جاء الملك “حور محب” الذي كان يعد قائدًا عسكريًّا من الطراز الأول، فقاد الجيوش إلى الولايات المجاورة لإخماد القلاقل وتأكيد سيادة مصر عليها.
تبع “رمسيس الأول” “حور محب” على عرش مصر مؤسساً  الأسرة التاسعة عشرة ثم جاء ابنه “سيتي الأول” بعد وفاته ليتولى الحكم.
وفي عصر “سيتي الأول وابنه “رمسيس الثاني” خرجت حملات من مصر ضد الشعوب الأجنبية أهمها تلك التي قيدت ضد الحيثيين والمعروفة بموقعة “قادش”، ولم يحقق “رمسيس الثاني” بها نصرًا مجيدًا ولكن توصل بها الطرفان إلى عقد أول اتفاقية سلام في التاريخ.
خلف “رمسيس الثاني” آثارًا كثيرة، وبنى مقرًّا له أسماه “بر-رعمس”، أي بيت رمسيس في شرق الدلتا بالقرب من عاصمة الهكسوس “آفاريس”. وبعد “رمسيس الثاني” توالى الحكام على العرش ونهجوا نفس نهجه العسكري والسياسي التوسعي.
وانتهت الدولة الحديثة بموت “رمسيس الحادي عشر” الذي توفي دون أن يكمل مقبرته وحدث انقسام بين الشمال والجنوب، ودخلت مصر بذلك عصرًا وسيطًا ثالثًا.

العصر الوسيط الثالث
(الأسرة الواحدة والعشرين حتى الأسرة الخامسة والعشرين / 1069 ق.م. – 664 ق.م.)

أول حكام تلك الفترة هو “سمندس” وحكم من “تانيس” شمال بررمسيس. أما في الجنوب فكان يتولى الحكم الملك “بي عنخ”؛ وفي هذا الوقت منحت الألقاب للملوك على أساس خدمة آمون وذلك لإضافة الصبغة الدينية على الملوك وعاصمتهم.
ربطت بين الشمال والجنوب علاقات زواج ونسب، في محاولة منهم للتوحيد وتأكيد صلتهم بمعبد الإله آمون. ويقال إن ملوك الأسرة الثانية والعشرين كانوا من الليبيين وحاولوا إصلاح الشئون الملكية في طيبة فخرجوا بالجيوش المصرية في حملات وفي هذا العصر كانت مصر عبارة عن دويلات صغيرة، ومع ذلك ظلت مدن مثل “تانيس” و”طيبة” و”هركليوبوليس” و”صا الحجر” مراكز لها ثقلها.
واستمر الانقسام والضعف في الشئون الداخلية وكذلك بالسياسة الخارجية للبلاد بالأسرة الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين. وفي 671 ق.م. حكم الآشوريون البلاد فغزوا “منف” ثم رحلوا ليعودوا مرة أخرى في 667ق.م. ليحتلوا مصر السفلى واستمروا في غاراتهم على مصر حتى وصلوا إلى طيبة.

العصر المتأخر

يبدأ من الأسرة السادسة والعشرين حتى الأسرة الثلاثين من 664 ق.م. وحتى 332 ق.م. استمر الحكم آنذاك في طيبة في أيدي ملوك “نباتا”.
وفي أثناء العصر الصاوي كانت الصلات مع اليونانيين قد بدأت، حيث أقيمت محطات لتوقف قوافل التجارة بين البلدين؛ ففي مصر كانت توجد “بينوقراطيس” في الدلتا إحدى هذه المحطات وكانت تحصل بها جمارك على تجارة البحر المتوسط لصالح مصر. وتمركز حكام العصور المتأخرة في مصر السفلى وأصبحت الكتابة الديموطيقية هي الكتابة الرسمية في البلاد وأصبح لكتاب الموتى شكل مكتمل.
وفي عصر الأسرة السابعة والعشرين غزا الفرس مصر، كما غزوا “بابل” وهزم “بسماتك الثالث” على يد “قمبيز” عام 525 ق.م. وفرضوا لغتهم كلغة رسمية للبلاد وفرضوا أيضًا الكتابة الآرامية.
ثم جاء “داريوس الأول” وفرض الاستقرار في البلاد، وبنى معبدًا مصريًّا لآمون بواحة الخارجة، ولكن بعد ذلك هزم جيشه في 490 ق.م.  مما ساعد على اشتعال الفتن ووجود طوائف داخلية ولكن سرعان ما أخمد خليفته “كزاكس” في عام 486 ق.م. تلك الثورات.
وفي الدلتا كان يوجد حاكم يوناني يدعى “إيناروس” وكان مسيطرًا على الدلتا بأكملها ولكنه هزم وطورد في 454 ق.م.
وعندما مات “داريوس الثاني” في 405 ق.م. بدأت مصر تدخل عصر ازدهار واستقرار تحت إمرة حاكم يوناني، ويمثل في قائمة مانيتون الأسرة الثامنة والعشرين وجعل مصر متحدة لمدة ستين عامًا. ولقد خلف ملوك الأسرة الثلاثين آثارًا جيدة تنم عن فترة ازدهار وزهاء للحضارة، وكان آخر حكام تلك الأسرة هو “نختحورحب” والذي انتهى حكمه بالغزو الفارسي لمصر في 343 ق.م. واستمر حكم الفرس لمصر لمدة عشر سنوات وبعد ذلك جاءنا “الإسكندر الأكبر” كفاتح جديد للبلاد في 332 ق.م. ليبدأ عصرًا جديدًا في مصر؛ عصرًا تحولت مصر فيه إلى جزء من الإمبراطورية اليونانية الشاسعة.

الحياة في العالم الآخر

تميمة على شكل الإله “حربوقراط”
© متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية / ح. ماضي

عرض للقسم

آمن المصريون القدماء بالبعث والحياة الآخرة الأبدية التي تعقب الوفاة. وقد جاء هذا الاعتقاد –بلا شك- نتيجةً لملاحظتهم لظواهر الطبيعة؛ فقد أوحت لهم دورتا النيل والشمس إضافةً إلى أسطورة الإله “أوزيريس” بفكرة البعث. ومن هنا فقد عكف المصريون على الاهتمام بحفظ أجساد موتاهم، كما عنوا بمقابرهم وجهزوها بما يحتاجه المتوفى لهذه الرحلة من أثاث جنائزي. وتقدم معروضات قاعة “الحياة في العالم الآخر” لزائر المتحف لمحات عن المعتقدات الجنائزية على مدار الفترة المصرية القديمة، والهلِّينيستية، والرومانية.

الحياة الأبدية

كان المصري القديم مؤمنًا بالبعث والحياة الأبدية بعد الموت. وقد نشأ هذا من مراقبته لبعض الظواهر الطبيعية. وكانت مصادر هذا الاعتقاد متمثلة في دورة الشمس والنيل، وكذلك الأسطورة الخاصة بالإله “أوزيريس”. ووفقًا لتلك المصادر كانت الشمس تغرب (تموت) في الغرب لتشرق (تبعث) في النهار التالي، أما النيل فكان يفيض في ميعاد محدد كل عام ليروي الأرض الميتة (البور) ويحولها لأرض صالحة للزراعة، وبعد موسم الحصاد يغيض ليسود الجفاف (الموت) مرة أخرى حتى العام التالي. كما يُعتقد أنه كان للأحلام دور في ترسيخ إيمان المصريين بهذه الفكرة، فرؤية أقاربهم المتوفين في أحلامهم جددت هذا الإيمان بحياة هؤلاء الأشخاص (المتوفين أصلاً) في عالم آخر.

التحنيط

من المعروف أن مقابر عصر ما قبل الأسرات والعصر العتيق كانت عبارة عن فجوات أو حفر غير عميقة تتخذ الشكل البيضاوي يوضع بداخلها جسد المتوفى في وضع الجنين أو القرفصاء. وكانت الرؤوس تتجه للجنوب والوجه في اتجاه الغرب. ولما كانت الأجساد متصلة مباشرة بالرمال حدثت عملية الجفاف (التحنيط) الطبيعي للسوائل والتي تسربت بالرمال، وبذلك جف كل من الجلد والشعر والأوتار والأربطة بشكل سريع، وعلى الصعيد الداخلي فقد جفت الأعضاء الداخلية مما حفظها بشكل طبيعي.

وقد عمل المصري القديم على تطوير ما لاحظه من تحنيط طبيعي خلال حضارته. ويتضح أن المصري القديم، في فترة تناهز بدايات عصر الأسرة الأولى، لجأ إلى طرق اصطناعية يحاكي بها ما لاحظه من تحنيط طبيعي في قبور الرمال. ووفقًا للدلائل والقرائن التي تم تجميعها من مقابر الدولة القديمة يمكننا القول بأن التحنيط في هذه الفترة كان يتمثل فقط في لف الجسد بلفائف كتانية مغموسة بالراتنج. استمرت هذه الطريقة في الاستخدام مع بعض التعديلات حتى عصر الدولة الحديثة عندما وصل التحنيط إلى أعلى مراحل الإتقان.

التحنيط في عصر الدولة الحديثة

يتم نقل الجسد فورًا بعد الموت إلى ورشة العمل “وعبت” حيث يوضع فوق مائدة التحنيط الحجرية. تُكسر بعد ذلك عظمة الأنف ويتم استخراج محتوى المخ باستخدام أداة معدنية. وفي حقيقة الأمر، لا نعلم لماذا تكبَّد المصري عناء استخراج محتوى المخ؛ إذا لم يكن هناك نية لحفظه، إلا أننا نعلم أنه بعد ذلك كان يتم ملء الجمجمة باستخدام طبقة كثيفة من “البيتومين” لمنع مرور الكائنات الدقيقة خلال عظم الجمجمة. وكذلك يتم حشو الجمجمة بالراتنج أو الكتان المغموس بالراتنج.

أما الأمعاء فيتم استخراجها من خلال شق في الناحية اليسرى أسفل البطن. تُغسل بعد ذلك الأعضاء الداخلية وتُغمس بشكل منفرد في ملح النطرون، ثم تُعالج بالراتنج الساخنة وتُلف وتوضع فى أربع أوانٍ كانوبية. وكانت أغطية تلك الأواني تتخذ أشكال أولاد الإله “حورس” الأربعة: “إمستي” بشكل رأس إنسان لحماية الكبد، “حابي” برأس قرد لحماية الرئتين، “دوا-موت.إف” بشكل رأس ابن آوى لحماية المعدة وأخيرًا “قبح-سنو.إف” برأس الصقر لحماية الأمعاء. وكان الجسد يُغسل من الخارج ومن الداخل بعرق البلح والتوابل . (كان عرق البلح المصنوع في مصر القديمة يحتوي عادةً على 14 ٪ كحول إيثيلي).

يُدفن الجسد لمدة أربعين يومًا في كميات كبيرة من ملح النطرون، والذي كان يجدد من حين لآخر، حيث كان ملح النطرون يستخدم كمادة مجففة تعمل على تكسير الأنسجة الدهنية. وكانت تجويفات المعدة والصدر تملأ ثلاث مرات متتالية بمواد مؤقتة تحتوي على قطع نطرون لتجفيف الجسد من الداخل، وكانت تلك هي المرحلة الأساسية للتحنيط واعتمدت فعليًا وعمليًا على استخراج السوائل من الجسد من خلال عملية الضغط بالتناضخ. ثم يتم استخراج الجسد من النطرون بعد انقضاء تلك الفترة، وتُستخرج المواد المؤقتة من التجويفات الصدرية والمعدة والتي لابد وأن تكون قد تشبعت بالسوائل ولو تُركت لأتلفت المومياء.

يتم نقل الجسد بعد ذلك إلى مكان يُعرف باسم “بر-نفر” حيث تجري عملية غسله وتطهيره بماء النيل، وربما كانت هذه العملية هي الأهم خلال مراسم التحنيط والتي من خلالها يتم تحديد الوقت اللازم لتحضير الجسد. وقد تم اعتبار ماء النيل ذا قوى سحرية كبيرة بعد ارتباطه بأسطورة دورة الشمس والتي تذكر شروق (مولد) الشمس من النهر، هذا بالإضافة إلى كونه ماء الفيضان. ولعل هذا يذكرنا بأسطورة “هليوبوليس” التي تُصوِّر خروج الشمس من ماء النيل، كما تذكرنا بخروج الأرض الشابة عن مياه الفيضان. وكان الجسد يُطهَّر بزيت الأرز وعدد آخر من الزيوت النفيسة، بعد ذلك تم تدليكه بالبخور والقرفة والمواد العطرية في محاولة لإعادته إلى سيرته الأولى. يُغطى الجسد بعد ذلك بالراتنج السائلة لحمايته ضد أي أخطار أخرى من حشرات أو بكتريا وأي من العوامل الخارجية.

وبعد الانتهاء من معالجة الجسد يتم لفه بلفائف الكتان، والتي كانت تُرفق بين طياتها لفافة  بردي جنائزية، وتُزين بالتمائم والحُلي. وأخيرًا تُلقى الزهور والأوراق الخضراء على الكفن قبل وضع المومياء في التابوت.

يقيم الكاهن قبل الدفن طقس “فتح الفم” على المومياء لاستعادة جميع حواس الشخص المتوفى؛ أي استعادة الرؤية لعينيه، والسمع لأذنيه، وقدرة التحدث للسانه، والتنفس لأنفه وأخيرًا الحركة ليديه وقدميه. ويرتل الكاهن في نفس الوقت  الصلوات في حين تبكي العائلة فقيدها وتودعه.

التحنيط خلال العصر الهيلِّينستي والروماني

عانى فن التحنيط من التدهور الشديد بنهاية الفترة المصرية القديمة وحتى العصر الحديث، ووصل إلى نهايته أثناء العصر البيزنطي. وعلى الرغم من أن مومياوات العصر اليوناني الروماني كانت أقل جودة في الحفظ عن سابقتها من العصور السابقة، إلا أنها تميزت بشكل وأسلوب رائع من اللفائف والربطات اتخذت شكل المعيَّنات، وقد تمركزت كل وحدة من أشكال المعيَّن هذه في منتصفها على رقطة ذهبية، كما تم إضافة قناع بشكل بورتريه ملون على لوح خشبي يحمل معالم وجه الشخص المتوفى.

وخلال العصر البطلمي تم استخدام كل الأساليب المتبعة لاستخراج الأحشاء، وكان ذلك إما عن طريق شق الجانب الأيسر أو من خلال التنظيف الشرجي. وكان من السمات الواضحة لمومياوات العصر البطلمي المتأخر والعصر الروماني المبكر الاستخدام المكثف للراتنجات داخل الجسم أو خارجه على حد السواء.

وقد أظهرت العديد من مومياوات القرن الثالث والرابع الميلادي أنه قد تم التخلي عن استخراج الأحشاء والمخ، وعوضًا عن ذلك فقد تم تغطية المومياء بطبقة مكثفة من الراتنج.

ومن الإبداعات الهامة بالعصر الروماني المبكر تذهيب المومياء، فقد تم تغطية أصابع اليد والأقدام والجفون والشفاة والأيدي والأرجل والأعضاء التناسلية، وفي بعض الحالات الجسد بأكمله، بطبقة رقيقة من الذهب.

وقد استمر المحنطون في العصر اليوناني الروماني، خاصة في بلاد النوبة، في محاولاتهم للحفاظ على إبداعاتهم، فعلى سبيل المثال إذا انفصلت الرأس عن الجسد كان يُعاد وصلها به عن طريق عصا. وقد وُجد كذلك بمومياء طفل عصا بطول الجسد وُضعت بغرض التقوية. كما تم العثور على مومياوات رومانية بالجيزة تحمل بين طيَّات لفائفها عيدان البوص لتقوية جسم المومياء، مما وفَّر الحماية للمومياوات في حالة إذا ما تم الدفن بدون تابوت، كما هو الحال في العديد من الفترات.
الآثار اليونانية والرومانية

تمثال نصفي للفيلسوف “سقراط”
© متحف الأثار بمكتبة الإسكندرية / ك. جريك

عرض للقسم

يبدأ العصر الهلّينيستي في مصر بدخول الإسكندر الأكبر البلاد عام 332 ق.م. وقد تولىَّ “بطلميوس الأول” – وهو أحد قادة الجيش – حكم مصر بعد وفاة الإسكندر عام 323 ق.م. وبعد ذلك توالى حكم البطالمة على مصر لمدة تقارب ثلاثمائة عام انتهت بمقتل الملكة “كليوباترا” آخر ملكة بطلمية في أغسطس عام 30 ق.م. بعد هزيمتها هي والقائد “ماركوس أنطونيوس” أمام القائد الروماني “أكتافيوس” والذي قام بضم مصر للإمبراطورية الرومانية عام 31 ق.م. ومنذ ذلك التاريخ حكم الرومان مصر حتى الفتح العربي عام 641.
ويعتبر قسم الآثار اليونانية والرومانية بالمتحف من أكبر الأقسام حيث يضم قطعًا أثرية تعكس المفهوم الديني لتلك الفترة بالإضافة إلى القطع المستخدمة في الحياة اليومية.

 

 قائمة بأسماء الحكام البطالمة
 قائمة بأسماء الأباطرة الرومان

 

مصر تحت الحكم  البطلمي

واجه “الإسكندر الأكبر” عند دخوله مصر عام 332 ق.م. مقاومة ضعيفة من الفرس الذين كانوا يحتلون البلاد آنذاك، وكان حكم الفرس في مصر بغيضًا على نفوس المصريين لازدرائهم الدين والتقاليد المصرية وللعنف الذي انتهجوه لإحكام قبضتهم على المصريين، فما كان من المصريين إلاَّ أن استقبلوا “الإسكندر” كمخلِّص لهم، الأمر الذي قوى من دعائم ذلك الفتح الجديد، بل وجعله موضع ترحيب.

وقد أظهر “الإسكندر” احترامًا وإكبارًا للآلهة المصرية، فزار معبد الإله “آمون” بواحة سيوة، ذلك المعبد المعروف لدى الإغريق، حيث تم إعلان “الإسكندر” ابنًا للإله “آمون”.

ولاشك أن “الإسكندر” قد قام بوضع حجر الأساس لمدينته الكبرى التي خلَّدت اسمه فيما بعد، وذلك في موقع قرية “راكوتيس”، وعند رحيله عام 331 ق.م. كانت مصر جزءًا من الإمبراطورية التي خلَّصها “الإسكندر” من حكم الفرس.

وبعد رحيل “الإسكندر” عام 323 ق.م. قُسِّمت إمبراطوريته بين قواده، وفشل “برديكاس” – الذي كان ممثلاً لمُلك الإسكندر-  في الحصول على مصر، في الوقت الذي نجح فيه “بطلميوس بن لاجوس” في تولي عرش البلاد. وقد استمر حكم خلفاء “بطلميوس” لمصر أكثر من ثلاثة قرون انتهت بانتحار الملكة “كليوباترا السابعة” في شهر أغسطس من عام 30 ق.م.

استطاع البطالمة إقرار نظام لإخضاع مصر وكذلك استغلال مواردها، وقد جاء ذلك استجابة للخلفية السياسية اليونانية وكذلك المقدونية والتي تحتم تطبيق ذلك المبدأ على باقي الممالك الهلِّينستية؛ وفي نفس الوقت توجيه القوة العظمى المتمثلة في مصر نحو البحر المتوسط ليتمكن البطالمة من تكوين إمبراطورية واسعة.

انتشرت عوامل الضعف في الحكم البطلمي في القرن الأخير من حكمهم، ما شجع روما على السيطرة على ملوك هذه الفترة سيطرة تامة. وعلى الرغم من محاولات الملكة “كليوباترا السابعة” – آخر وأشهر ملكات البطالمة – لإحياء المجد البطلمي القديم بمساعدة أكبر قادة الرومان وهو “يوليوس قيصر” أول من وقع أسيرًا لسحرها، إلاَّ أنه رحل بعد أن أنجبت له “كليوباترا” ابنًا لُقِّب بعد ذلك “قيصريون”.

وعقب وفاة “يوليوس قيصر” جاء دور “ماركوس أنطونيوس”، الذي ساعد كليوباترا على تحقيق استقرار مؤقت عصفت به طموحات القائد الروماني “أوكتافيوس”. والتقى الغريمان في موقعة “أكتيوم” البحرية في شهر سبتمبر من عام 31 ق.م. وتحقق النصر لأوكتافيوس، وكان ذلك إيذانًا بزوال البحرية البطلمية التى كانت الأعظم، بل وإيذانًا بزوال مملكة البطالمة برمتها. اتجه بعد ذلك “ماركوس أنطونيوس” وكذلك “كليوباترا” إلى الإسكندرية، ولم تمر عشرة أشهر حتى تم للرومان الاستيلاء على الإسكندرية. وأُعلنت روما إمبراطورية، واتخذ أوكتافيوس لقب “أوغسطس”، وأُعلنت مصر ولاية رومانية.

مصر تحت الحكم الروماني

روما

تشير المصادر القديمة التي اعتُمد عليها في تاريخ الرومان إلى أن الجيش الروماني جاء إلى إيطاليا ضمن هجرة من مدينة طروادة، وأن الذي قاد الهجرة هو “إينياس” أحد أبطال طروادة. وتسرد الأسطورة أن طفلين من أحفاد “إينياس” لابنه من الإلهة أفروديت (إلهة الجمال عند الإغريق) وهما “رومولوس” و”ريموس” كانا عند النهر فجرفهما التيار، فتعلقا ببعض الأخشاب من شجر كان طافيًا على الماء وتحققت نجاتهما على يد ذئبة لها أولاد فأرضعتهما مع أولادها، ثم بعد ذلك عثر عليهما أحد الرعاة فرباهما حتى بلغا أشدهما وأخذهما الراعي إلى أحد المعابد لتقديمهما إلى رب المعبد.
وقد عبَّر بعض الكهنة عن إرادة الرب بأن أحدهما سوف يؤسس مدينة يُكتب لها البقاء والخلود بالقرب من مصب نهر “التيبر”، فسعى كلٌّ منهما إلى الفوز بهذا الشرف، فتصارعا فصرع “رومولوس” أخاه “ريموس” وأسس مدينة روما حوالي 753 ق.م. ويعتبر هذا التاريخ بداية التاريخ الروماني.

العصر الروماني في مصر

إذا كانت الممالك الهلِّينستية قد سقطت واحدة تلو الأخرى في أيدي الرومان، فقد ظلت مصر على استقلالها ولم تتحول إلى ولاية رومانية حتى عام 30 ق.م. أي عقب موقعة أكتيوم البحرية عندما أخضعها “أوغسطس” (أوكتافيان) بعد وفاة “أنطونيوس” و”كليوباترا”، وأنهى بذلك العصر الهلِّينستي الذي استمر قرابة ثلاثة قرون.
ويؤرخ العام 30 ق.م. في التاريخ الروماني على أنه نهاية العصر الجمهوري وبداية العصر الإمبراطوري حيث يرأس الدولة حاكم Princeps وليس قنصلاً كما كان من قبل.
وكان أول إمبراطور روماني هو “أوغسطس” ولقد قام بإصدار عملة تذكارية خاصة بمناسبة ضم مصر لسلطانه تحمل صورة التمساح أشهر الحيوانات النيلية، وقد كتب تحته عبارة “أيجيبتو كابتا” Aegypto Capta ومعناها فتح مصر، وكانت مصر مطمعًا للرومان من الناحية الاقتصادية، فقد فرضت روما على مصر جزية مالية وضريبة نوعية من القمح والغلة يجب أن تشحن إلى روما كل عام؛ أي أن جزءًا كبيرًا من دخل المصريين وإنتاجهم الزراعي كان يذهب إلى روما دون مقابل.
وكانت مصر تنتج أيضًا الزجاج والبردي ويتم شحنهما إلى باقي أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كما كانت تعطي صحراء مصر الكثير من المعادن والأحجار الجميلة، مثل البورفير والجرانيت، التي كانت ترسل إلى روما لاستخدامها في النحت والعمارة.
وقد استمرت سياسة الأباطرة الرومان في مصر التي عنيت ببناء المعابد والمدن الجديدة، وكانت مصر في العصر الروماني أكثر انفتاحًا على العالم من ذي قبل، واستمرت اللغة اليونانية القديمة لغة رسمية فضلاً عن اللغة اللاتينية.
وقد توالى على عرش روما أباطرة كثيرون في الفترة من 30 ق.م. – 396 م. ومنذ حوالي 300 – 400 م اعتنق معظم المصريين الديانة المسيحية.

لآثار البيزنطية

لوحة عاجية مُصوَّر عليها الإله “ديونيسوس”
© متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية / ك. جريك كريستوف جريك

عرض للقسم

يحتوي القسم البيزنطي على مجموعة فريدة من القطع التي استخدمت في مختلف جوانب الحياة، وتظهر فيها ملامح الفن القبطي بوضوح، حيث إنه فن شعبي مسيحي محلي خاص بمصر، وهو في جوهره فن ديني يميل إلى الرمزية والبساطة، ويأخذ شخصياته من الكتاب المقدس أو يصوِّر القديسين المحليين المعروفين. ولقد عُرف الفن القبطي بتصوير الأشخاص في بعدين اثنين مع تجاهل البعد الثالث. ويستخدم الفن القبطي أيضًا بعض الأشكال الهندسية في الزخرفة؛ والتي لها مدلول رمزي يرتبط بالعقيدة مثل المثلث الذي يرمز للثالوث القدوس. بالإضافة إلى ذلك اتخذ الفن القبطي بعض الصور الحيوانية مثل السمكة، وكذلك بعض العناصر النباتية كأغصان الكرمة.

 

قائمة بأسماء الأباطرة البيزنطيين

العصر البيزنطي

يرتبط العصر البيزنطي ارتباطًا وثيقًا بالديانة المسيحية. وقد بدأت المسيحية في مصر منذ القرن الأول على يد القديس “مرقص الرسول” الذي اتجه إلى الإسكندرية عام 61م، ثم بدأ التبشير في الإسكندرية، وفي عام 64م اعتزم القديس “مرقص” أن يغادر الإسكندرية فرسم إنيانوس (حنانيا) بابا للإسكندرية وهو أول بابا للإسكندرية بعد القديس “مرقص”، وإليه ينسب إنشاء أول كنيسة بالإسكندرية وتوجد بنفس البقعة التي توجد بها الكنيسة القبطية الحالية بالإسكندرية بشارع كنيسة الأقباط.
ويعزو “تاريخ الكنيسة القبطية” إلى القديس “مرقص” أيضًا إنشاء أول مدرسة لاهوتية في الإسكندرية عام 68م وإقامة “يسطس” رئيسًا عليها.

ولكن في تلك الحقب وحتى القرن الرابع الميلادي كانت المسيحية تحت وطأة الإضطهاد الوثني. ومن أكثر الاضطهادات قسوة تلك التي كانت على يد الإمبراطور “دقلديانوس” (284م-305م)، ففي عام 303م أصدر “دقلديانوس” أمرًا عامًا باضطهاد المسيحيين، وبعدها أصدر ثلاثة مراسيم جديدة تقضي بسجن الأساقفة ثم تعذيبهم وإعدام المسيحيين إذا رفضوا إنكار مسيحيتهم. ولقد لقيت مصر المسيحية من اضطهاد دقلديانوس ما يعادل كل ما تحمله المسيحيون في أرجاء الإمبراطورية حيث يقول ترتليانوس “لو أن شهداء العالم كله وضعوا في كفة ميزان وشهداء مصر في الكفة الأخرى لرجحت كفة المصريين”. وقد بلغ من شدة هذه الاضطهادات أن أطلق المصريون على عصر هذا الإمبراطور “عصر الشهداء” واتخاذ الكنيسة القبطية بدء تقويمها بسنة ولاية هذا الإمبراطور 284م، ويسمى هذا التقويم  بتقويم الشهداء.
ومن أشهر القديسين الذين استشهدوا في عصر دقلديانوس هو القديس “مارمينا العجائبي” الذي يوجد دير باسمه حتى الآن بمنطقة مريوط بالقرب من الإسكندرية.

اعتناق الإمبراطور قسطنطين للمسيحية

في عام 312م كان الحادث الذي أدى إلى اعتناق “قسطنطين” للمسيحية، فقد رواه لنا قسطنطين بنفسه على ما سجله في تاريخه “يوسابيوس” وهو أنه إبان حربه ضد “ماكسنتيوس” الإمبراطور الذي نادى به الحرس الإمبراطوري في روما فقد وصل في زحفه على أبواب روما في 28 أكتوبر عام 312م، ولم يعد يفصله عنها سوى جسر ملينا على نهر التيبر، فرأى “قسطنطين” في السماء صليبًا من النور كتب عليه عبارة “انتصر بهذه العلامة” فأصدر أمره لجنوده أن يرسموا الصليب على أذرعهم وأن يجعلوه شعارًا لهم؛ وبالفعل انتصر الإمبراطور “قسطنطين” وهزم خصمه، وقتله، ودخل روما وحيته المدينة وأصبح سيد القسم الغربي بلا منازع.

مرسوم ميلان (عام 313م)

رأى “قسطنطين” أن يوفي لإله المسيحيين الذي نصره فأصدر “مرسوم ميلان” الذي رد للمسيحيين أملاكهم التي صودرت وأعلن التسامح الديني مع كل الأديان. وبهذا انتهت فترة العذاب والاضطهاد الذي حاق بالمسيحيين.

مجمع نيقية (عام 325م)

هذا المجمع دعا إليه الإمبراطور “قسطنطين” ليضع دستور الإيمان وقصته تبدأ عندما رفع كل من “أريوس” والأنبا “ألكسندروس” أمر الخلاف الناشئ بينهما حول لاهوت السيد المسيح إلى الإمبراطور قسطنطين. فاجتمع 318 أسقفًا يصحبهم حشد كبير من رجال الدين. وجاء معظم الأساقفة من الولايات الشرقية، أما الولايات الغربية فاكتفى البابا “سلفستر الأول” (أسقف روما) بإرسال بعض القساوسة ليمثلوه. وقد أصدر المجمع بعد مداولات ومناقشات ما اعتبر من ذلك التاريخ دستور الإيمان، أو ما يعرف باسم قانون الإيمان. وقد قام  بصياغته الأنبا ألكسندروس بابا الإسكندرية وشماسه ومساعده “صاحب القدح المعلى” في هذا المجمع وهو القديس “أثناسيوس” بعد أن ضم إليهما أسقف قيسارية.

باخوم يؤسس الأديرة الجماعية (عام 323م)

ولد “باخوم” عام 290م واعتنق المسيحية أثناء وجوده في الجيش وكان عمره 20 عامًا. ولما سُرِّح من الجيش اتخذ لنفسه حياة النسك والرهبنة التي بدأها الأنبا “بولا” ووسع نطاقها الأنبا “أنطونيوس”. ولكن باخوم حوَّل الرهبنة والنسك إلى حياة جماعية منظمة تخضع لإرشاد و توجيه، وتسير على قواعد محددة عُرفت باسم “الكوينونيا” والتي ترجمت إلى اليونانية واللاتينية وقد تبناها البابا بينيدكتوس (زعيم الرهبنة الغربية) في أوروبا.
اتخذ القديس باخوم أول الأمر معبدًا مهجورًا من معابد سيرابيس مكانًا لتنسكه، وأول دير أنشأه القديس “باخوم” كان بالقرب من دندرة.

إلغاء الوثنية بصفة نهائية (عام 394م)

حمل الإمبراطور “ثيودسيوس” مجلس الشيوخ الروماني على أن يصدر تشريعًا بإلغاء الوثنية في جميع صورها وأشكالها في أرجاء الإمبراطورية شرقها وغربها، ووضع عقوبات صارمة لكل من يعتنق ديانة غير المسيحية أو لمن يرتد عنها أو يلحد فيها. ومن هنا سجل له التاريخ أنه هو من جعل المسيحية دينًا رسميًا للدولة.

وفي عام 324م كان قسطنطين قد نجح نهائيًّا في توحيد الإمبراطورية تحت سلطانه بعد أن هزم “لسيثيوس” شريكه في الحكم وإمبراطور الشرق، وكان انتصاره نجدة جديدة للمسيحيين؛ فقد كان “لسيثيوس” قد بدأ صب صواعق غضبه فوق رؤوس المسيحيين لمناصرتهم قسطنطين.

وفي أثناء العصر البيزنطي ظهرت بعض البدع والهرطقات ومن أهمها بدعة “أريوس” الذي كان من أصل ليبـي، تعلم في أنطاكية وأصبح أحد رجال الكنيسة في الإسكندرية. وكانت بداية بدعة أريوس عام 318م، وقد دعا الأنبا ألكسندروس مجلسًا من الأساقفة المصريين حكموا بتجريد أريوس من منصب الكهنوت.

مجمع خلقدونية (عام 451م)

بدأت المساعي لدفع الإمبراطور إلى دعوة مجمع جديد في مدينة خلقدونية – التي تقع بالقرب من القسطنطينية – ليحسم بطريقة نهائية كل المسائل التنظيمية والعقائدية بالكنيسة المسيحية. فوافقه الإمبراطور على عقد هذا المجمع الذي احتشد عدد كبير من الأساقفة لم يسبق له مثيل في أي مجمع سابق إذ بلغ عددهم 632 أسقفًا.
وتعتبر قرارات مجمع خلقدونية ذات أهمية سياسية في تاريخ روما البيزنطية، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه قرارات هذا المجمع أساس العقيدة المسيحية فإن مصر وبلاد الشام قد رفضتا الأخذ بها، وأقرتا بمذهب الطبيعة الواحدة (Monophysite) وفشلت كل الجهود التي بذلت خلال القرون المتعاقبة في توحيد الكنيستين، فانفصلت الكنيسة المصرية، وكان أول مظاهر هذا الانفصال إلغاء استعمال اللغة اليونانية بصفة نهائية في طقوس الكنيسة المصرية حيث أحلت محلها اللغة المصرية القديمة التي أصبحت تعرف منذ ذلك الوقت باللغة القبطية؛ وهي ليست سوى اللغة المصرية القديمة مكتوبة بحروف يونانية بعد أن أضيفت لها سبعة حروف تخلو منها اليونانية.

غارة الفرس على مصر (عام 501م)

أغار الفرس على سوريا ثم تقدموا إلى مصر فاستطاعوا أن يجوسوا خلال الدلتا، ولكنهم وقفوا عند أسوار الإسكندرية التي استعصت عليهم. ويبدو أن القائد الفارسي خشي على نفسه مما نسميه استطالة خطوطه وابتعاده عن قاعدته بغير أمل في وصول نجدات فاضطر للانسحاب. وكان لحصاره الطويل أثر في مدينة الإسكندرية إذ أصابها بمجاعة شديدة. وقد عني الإمبراطور انسطاسيوس (491م-518م) بمساعدة الإسكندرية بإنعاشها وترميم مبانيها العامة. وكانت منارة الإسكندرية الشهيرة قد أهملت خلال القرون السابقة فأمر بترميمها وإعادة العناية بها. وكان الحاكم الروماني في مصر هذه السنة هو أيوستانيوس.

فتح الإسكندرية (عام 642م – 22ﻫ)

سارت الجيوش الإسلامية بعد استلام حصن بابليون نحو الإسكندرية فتصدت لها بعض الجيوش الرومانية في بعض المواقع ولكنها هزمت، وكانت الإسكندرية يصعب اقتحامها لأنها مفتوحة على البحر الذي لا يوجد للمسلمين فيه أي سفينة، فأصبح يستحيل حصارها وكانت أسوارها لا يمكن اقتحامها بل لم يستطع المسلمون الاقتراب منها، فقد انهالت عليهم قذائف المنجنيق. وكانت المدينة تحتوي على عشرات الألوف من الجند، ومرة أخرى يظهر “قيرس” في الميدان ليسلم الإسكندرية للمسلمين، فبعد وفاة “هرقل” تولى الحكم من بعده “قسطنطين الثالث” ابنه، فاستدعى “قيرس” (والذي سبق وأن تفاوض مع المسلمين عند حصن بابليون) من منفاه ليستشيره في أحوال مصر وسبيل الدفاع عنها، لكن “قسطنطين” لم يلبث أن مات واعتلى العرش بعده أخوه “هرقلوناس” الذي شاركه “قنسطانز الثاني” في الحكم فاتفقا على أن يوفدا “قيرس” إلى مصر ليعقد صلحًا مع المسلمين.
وفي نوفمبر سنة 641م أبرم “قيرس” معاهدة جديدة على غرار معاهدة بابليون على أساس أن يسمح لجيش بيزنطة بأن يغادر الإسكندرية، وأن يحمل جنوده أمتعتهم وأموالهم وكذلك كل من يرغب في مغادرة الإسكندرية من رعاياها، وأن يتعهد المسلمون بأن لا يتعرضوا للكنائس وتم الاتفاق على أن يتم الجلاء بعد أحد عشر شهرًا.
وفي التاسع والعشرين من شهر سبتمبر سنة 642م انسحب الروم حسب الاتفاق، ودخل المسلمون مهللين مكبرين إلى الإسكندرية في هدوء وسلام، وكان “قيرس” قد مات خلال هذه السنة من الهدنة، وقد تمكن الروم من الاستيلاء على الإسكندرية مرة أخرى في 645م، ولكن استطاع المسلمون استعادة المدينة مجددًا في 646م.

الآثار الإسلامية

شاهد قبر
© متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية / م. منير

عرض للقسم

يضم قسم الآثار الإسلامية مجموعة متنوعة من القطع الأثرية التي تُظهر براعة فناني تلك الفترة. ويستطيع الزائر أن يشاهد -ضمن قطع أخرى- نماذج للنسيج، والنوافذ الجصيَّة، والأشغال الخشبية، والفخار والتي تعطي متجمعة لمحة عن الحياة الاجتماعية، والفكرية، والعلمية، والدينية.

قائمة بأسماء  حكام مصر منذ دخول العرب وحتى العصر الحديث

العصر الإسلامي

بدأ العصر الإسلامي في مصر عام 641م بدخول أحد القواد المسلمين –  وهو “عمرو بن العاص” في عهد الخليفة “عمر بن الخطاب” – البلاد، وذلك استكمالاً للفتوحات التي بدأت في عهد الرسـول (صلى الله عليه وسلم) والتي اتخذت شكلها الواسع بعد وفاته عام 11هـ /632م، أي في عهد الخلفاء الراشدين.

 أولاً: الدولة الأموية (20هـ -132 هـ / 661-750 م)

الأمويون هم أولى الأسر الحاكمة بعد الخلفاء الراشدين، وحكمت مابين 661 و750 م ومقرهم دمشق، وهم من البيوت الكبرى في قريش، وقد تأخر إسلام معظمهم إلى ما بعد الفتح الإسلامي إلا “عثمان بن عفان” الخليفة الراشد الثالث، الذي كان من السابقين في الإسلام. كان أشهر سادات بني أمية هو “أبو سفيان بن حرب”، وهو سيد قريش المطلق بعد غزوة بدر حتى الفتح الإسلامي. وكان ابنه “معاوية” (661-680 م) هو من أسس السلالة، فكان واليًا على الشام منذ عام 657م من قِبَل الخليفة “عمر بن الخطاب”. وبعد مقتل عليّ بن أبي طالب وتَوَليِّ “الحسن بن علي” الخلافة، تنازل الأخير عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان. وبذلك انتقلت الخلافة من بني أمية إلى الفرع السفياني. وقد بلغ عدد الولاة على مصر منذ الفتح العربي وحتى نهاية الدولة الأموية 32 واليًا.
وفي تلك الفترة ازدهرت أحوال البلاد، وعمَّ الرخاء، وأمِن أهلها، ولم يعودوا يشكون من ثقل الضرائب والابتزاز ومساوئ الحكم، فاهتموا بالزراعة وعملوا على زيادة الغلاَّت والمحاصيل واهتموا بشئون الري، كما أقاموا مقاييس النيل لمعرفة الزيادة والنقصان. كما ازدهرت الصناعة في هذا العصر وبخاصةٍ صناعة المنسوجات.

عوامل سقوط الخلافة الأموية

وعلى الرغم من النجاح الذي حققته الدولة الأموية في فتوحاتها، وسياسة التعريب التي اتبعتها، فإن اشتداد المعارضة ضدها كان يحيط بها من كل جانب، كما انقسم البيت الأموي على نفسه بسبب نظام ولاية العهد وتولية العهد لأكثر من واحد. أدت هذه السياسة إلى انقسام العرب في الدولة العربية الإسلامية إلى “قيسية” وهم عرب الشمال، و”يمنية” وهم عرب الجنوب، وعليه شهدت الولايات الإسلامية حروبًا أهليةً مريرةً بين هاتين الفئتين، مما أدى إلى ضعف الدولة الأموية و إنهاك قواها.

ثانيا: الدولة العباسية (132هـ -254 هـ/750-1258 م)

يرجع أصل العباسيين إلى “العباس بن عبد المطلب” عم الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فهم بذلك من أهل البيت. استطاع “أبو العباس السفاح” (749-754 م) بمساعدة أنصار الدعوة العلوية، القضاء على الأمويين ومظاهر سلطتهم، كما قام هو وأخوه “أبو جعفر المنصور” (754-775 م) باتخاذ تدابير صارمة لتقوية السلطة العباسية. وفي عام 762م تم إنشاء مدينة بغداد.
وقد بلغ عدد الولاة في العصر العباسي 69 واليًا منذ بداية (عام 132هـ-750 م) حتى قدوم “أحمد بن طولون” عام (254هـ- 868 م). وتمركزت الدولة العباسية في الشرق خاصةً في إقليم خراسان على يد “أبي مُسلم الخراساني”. وقد أظهر العباسيون مرونة في معاملة أقباط مصر، وتعهدوا بحماية ممتلكات الكنيسة، وتقليل الخراج عن الأقباط.

عوامل سقوط الخلافة العباسية

أدى ضعف الخلافة العباسية إلى زيادة سيطرة نفوذ الأتراك والسلاجقة بالإضافة إلى تولية العهد لأكثر من شخص على فترات متقاربة، وكان ذلك نتيجة تقريب العناصر غير العربية والاعتماد عليهم في الجيش والإدارة وإعطاؤهم المزيد من السلطة.كما ضعفت شخصية الخلفاء وتهاونوا باستقلال بعض الولاة ببعض الأقاليم لاسيما البعيدة منها. كما عجلت منافسة العلويين للعباسين بسقوط الدولة العباسية.

 

ثالثًا: الدولة الطولونية (254-292هـ/ 868-905 م)

تنسب هذه الدولة إلى “أحمد بن طولون” وهو تركي الأصل. عندما توفي والده “طولون” تزوجت أمه من الأمير “بكباك”. وفي عام  252هـ عُيِّن الخليفة العباسي “بكباك” واليًا على مصر، فأناب الأخير عنه “أحمد بن طولون” ليتولى الحكم.
حكمت الدولة الطولونية 38 سنة انتعشت فيها البلاد وانتشر في ربوعها الأمن والاستقرار والرخاء، كما ازدهرت أحوالها الاقتصادية، والعلمية، والأدبية، والفنية خاصة في أيام “أحمد ابن طولون” وابنه “خمارويه”؛ فأُنشئت المدن، مثل “القطائع”، وشيدت أيضًا القصور الضخمة. كما اهتم حكام هذا العصر بإعداد جيوش قوية، وعملوا على وفرة الثروات ورخص أسعارها وتوفير السلع في سائر أنحاء مصر. وقد بدأت الدولة الطولونية تتهاوى في عهد “هارون بن خماروية” (896-904 م)، فكانت الصراعات مع القرامطة قد أنهكتها، وفي سنة 905 م أعيدت مصر إلى سلطة العباسيين.

 

رابعًا: الدولة الإخشيدية (323-358هـ / 935-969 م)

الإخشيديون أو “بنو إخشيد” هم من سلالة تركية مستعربة حكمت في مصر والشام لمدة أربع وثلاثين سنة من القرن الرابع الهجري، وكان مقرهم الفسطاط. وتنحدر هذه الأسرة من أحد القادة العسكريين “محمد بن طغج الإخشيد” (935-946 م). و يعني لقب الإخشيد “ملك الملوك”، ويقال أيضًا أن لقب إخشيد إيراني الأصل بمعنى “الزكي”.
وقد شهدت مصر في عهد الدولة الإخشيدية – رغم قصر عهدها – نشاطًا حضاريًّا مزدهرًا في ميادين الفنون والآداب والعلوم، واتضح ذلك بجلاء في تشييد العمائر وإنتاج التحف، والآثار الفنية التي تمثل شتى ميادين الفن الإسلامي، ولكن ما وصل إلينا من آثار هذا العصر قليل سواءً بسبب تقادم الزمن بها، أو بسبب مجيء العصر الفاطمي؛ حيث قام حكامه بهدم مباني الإخشيديين وقصورهم.

عوامل سقوط الخلافة الإخشيدية

بعد وفاة الإخشيد أصبح الأمر بين يدي قائده “الأسود كافور” (946-968 م). تولى كافور إدارة الحكم بينما كان ابنا الإخشيد دون السن التي تؤهلهما لهذه الأمور، ثم أصبح كافور سنة 966 م واليًا من قبل العباسيين على مصر. وقد قام الفاطميون بالقضاء على أسرة بني طغج، وتم إجلاء آخر الأمراء أبو الفوارس (من أحفاد الإخشيد) عن الفسطاط سنة 969 م.

 

خامسًا: الدولة الفاطمية (358-567 هـ / 909-1171 م)

لم يقطع المؤرخون برأي حاسم في نسب الفاطميين، فهناك فريقان من المؤرخين: الأول يرى صحة نسبهم إلى “عليّ” والسيدة “فاطمة” بنت الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والآخر يتشكك في نسبهم إلى هذا البيت.
وقد شهدت مصر في عهد الدولة الفاطمية أوج عظمتها في الفنون الإسلامية، كما اهتم حكامها بالجيش اهتمامًا كبيرًا لتحقيق أهدافهم التوسعية والدفاع عنها. كما نمت في عهدهم ثروة البلاد وزاد الإنتاج الزراعي على اعتبار أنه من أهم مصادر الثروة في مصر؛ فقاموا بإنشاء الجسور وتطهير الترع، أضف إلى ذلك ازدهار الصناعة خاصة صناعة النسيج، والصناعات المعدنية، وصناعة الخزف والزجاج.

عوامل سقوط الخلافة الفاطمية

كان “العاضد لدين الله” الحاكم الرابع عشر والأخير للأسرة الفاطمية. وقد حكم في فترة عانت فيها البلاد من الضعف الشديد في ظل هجمات الصليبيين ومحاولات السلاجقة لفرض سيطرتهم على مصر. وفي واقع الأمر كان الوزير “شاور” – وزير العاضد – هو من يمسك بزمام أمور البلاد. وقد فضَّل هذا الأخير عقد هدنة مع الصليبيين لكي يتمكن من صد السلاجقة، ثم ما لبث أن تحالف مع السلاجقة وعقد اتفاقًا مع السلطان الزنكي في دمشق “نور الدين محمود” أصبح بمقتضاه وزيرًا لمصر. حارب “شاور” الصليبيين بمعاونة الجيش الزنكي الذي قاده “أسد الدين شيريكوه” وابن أخيه “صلاح الدين الأيوبي”. وقد عيَّن السلطان “نور الدين” بعدها “شيريكوه” وزيرًا على مصر. وبعد وفاة هذا الأخير تقلَّد “صلاح الدين” منصبه في عام 1169. وفي عام 1171م توفي العاضد وتولى صلاح الدين حكم البلاد ليبدأ بذلك العصر الأيوبي في مصر. وقد أحل “صلاح الدين” المذهب السني في البلاد محل المذهب الشيعي الفاطمي.

 

سادسًا: الدولة الأيوبية (567-648هـ/1171-1250م)

الأيوبيون هم من سلالة كردية الأصل تولت الحكم في مصر، وسورية، والعراق من عام 1171م حتى عام 1250/1260م ومقرهم دمشق والقاهرة. أسس هذه الأسرة “نجم الدين أيوب” وكان قائدًا كرديًّا في خدمة الزنكيين. وقد جاءت أسرة أيوب من أرمينية، و بدأ نجمه في السطوع عندما أصبح واليًا على كريت، ثم واليًا على دمشق. وقد استطاع  أخوه “أسد الدين شريكو”  قائد جيش “نور الدين” وابنه صلاح الدين (1138-1193م) دخول مصر والسيطرة عليها. وفيما بعد أراد صلاح الدين الاستقلال عن “نور الدين” والقضاء على الحكم الفاطمي. وفي عام 1171م استطاع صلاح الدين السيطرة على حلب وانهاء حكم الزنكيين في سورية، وبذلك أصبحت كل من مصر وسورية تحت حكمه منذ هذا التاريخ.

ويعتبر العصر الأيوبي في مصر امتدادًا للعصر الطولوني والإخشيدي فيما يتعلق بالعلوم التي نهض بها المصريون؛ وهي الحديث، والتفسير، والقراءات، والنحو، والبلاغة. وقد تشبَّه الأيوبيون بالفاطميين في عنايتهم بإنشاء المكتبات، كما اهتموا بإنشاء الجيش حيث أصبحت الدولة دولة حربية، فقد وقع على كاهلها عبء الجهاد ضد الصليبيين بهدف تطهير الشام ومصر من أخطار الحملات الصليبية الوافدة من الغرب الأوروبي. ومن هذا المنطلق كانت الدولة تنفق الكثير من الموارد على الجيش وبناء الحصون والقلاع وما يتبقى على الإصلاح الداخلي.

عوامل سقوط الخلافة الأيوبية

غادر “صلاح الدين” مصر في عام 1182م لكي يتصدى لهجمات الصليبيين في الأراضي المقدسة بعد أن ترك مقاليد الأمور لأخيه “العادل” ووزيره “الفاضل”. هذا ولم يعد صلاح الدين إلي مصر ثانيةً حيث توفي في دمشق عام 1193م / 586هـ بعد أن قسَّم دولته بين أولاده وأخيه “العادل”، ولكنهم تناحروا فيما بينهم، وظل بعضهم يقاتل بعضًا في ظروف كانت الدولة تحتاج فيها إلى تجميع القوى ضد الصليبيين ممن يكيدون للإسلام. وقد انتهت دولة الأيوبيين بوفاة “توران شاه” في عام 1250م.

 

سابعًا: دولة المماليك (648-922 هـ/1250-1517 ميلادي)

كان “عز الدين أيبك” هو أول سلطان مملوكي يحكم البلاد بعد زواجه من “شجر الدر” أرملة السلطان “الصالح نجم الدين أيوب”. وقد توفي هذا الأخير في عام 1249م ثم لحق به ابنه “توران شاه” بعد عام واحد فقط أي في عام 1250م. حكمت “شجر الدر” البلاد بمعاونة المماليك لمدة ثمانين يوم بعد وفاة زوجها، ولكنها واجهت صعوبات في الاستمرار في الحكم، مما دفعها إلى الزواج من “أيبك” والذي تنازلت له عن عرشها.

المماليك هم سلالة من الجنود التي حكمت مصر والشام والعراق والجزيرة العربية بداية من عام 1250 حتى عام 1517م. وقد كانت سياسة القادة الأيوبيين تقوم على استقدام المماليك من بلدان غير إسلامية، وكانوا في الأغلب أطفالاً يتم تربيتهم وفق قواعد صارمة في ثكنات عسكرية معزولة عن العالم الخارجي، حتى يتم ضمان ولائهم التام للحاكم. بفضل هذا النظام تمتعت دولة المماليك بنوع من الاستقرار النسبي.
وقد سار حكام دولة المماليك على نفس نهج الدولة الأيوبية وذلك في الفترة التي تلت الحملة الصليبية السابعة، وتنقسم دولة المماليك إلى قسمين: القسم الأول عُرف باسم “المماليك البحرية” نسبةً إلى بحر النيل وسكن مماليكها القلعة بجزيرة الروضة. وحكم هؤلاء في الفترة ما بين (648-784 هـ/1250-1382م)، أما القسم الآخر فهم “المماليك الجراكسة ” أو البرجية وقد جاءت هذه التسمية نسبةً إلى أبراج قلعة الجبل التي كان يسكنها هؤلاء. وقد امتد حكمهم في الفترة ما بين (784- 922 هـ/1382-1517م).
قام المماليك في أول عهدهم بصد الغزو المغولي على بلاد الشام ومصر وكانت قمة التصدي في موقعة “عين جالوت” في فلسطين تحت قيادة “بيبرس” في عام 1260م. وكان يحكم مصر آنذاك السلطان “قطز” الذي تصدى – قبل عشر سنوات من هذا التاريخ – للحملة الصليبية السابعة التي قادها “لويس التاسع” ملك فرنسا. وقد حارب جنبًا إلى جنب مع كل من “بيبرس” و”قلاوون”. ويُقال أن “بيبرس” قتل السلطان “قطز” وتقلد السلطة مكانه.
وفي بداية عهد السلطان “بيبرس”(1260 م – 1277م) ومن تلاه ركز المماليك جهودهم على الإمارات الصليبية في الشام وقضوا سنة 1290م على عكا وهي آخر معاقل الصليبيين في بلاد الشام.

كان من ضمن المماليك طبقة حاكمة تميل إلى البطش والقوة، إلا أنهم كانوا رعاةً للفنون التي لم تشهدها مصر منذ عهد البطالمة؛ فملأوا سماء القاهرة بالتحف الهندسية الرائعة حيث قاموا ببناء المساجد والمدارس والقباب والخوانق والأضرحة والقصور والأسبلة والحمامات، أضف إلى ذلك اهتمامهم بالفنون اهتمامًا كبيرًا ، فازدهرت صناعة المشربيات، والتحف المعدنية مثل الكراسي والأبواب والصناديق، وازدهرت صناعة التكفيت أي تطعيم النحاس بالذهب والفضة. كما اهتم حكام هذه الفترة بالزراعة باعتبارها مصدر الثروة الأول، كما اهتموا بالثروة الحيوانية وعملوا على تحسين سلالاتها وجلب الأنواع الممتازة لتربيتها.

 

ثامنًا: العصر العثماني (1517 – 1924 م / 923-1342هـ)

العثمانيون

يُنسب العثمانيون إلى “عثمان خان بن أرطغرل” الذي بفضله تكوَّنت الدولة العثمانية، وينتمي العثمانيون إلى عشيرة “قابي” إحدى قبائل الغز (تدعى الأغوز) التي اضطرت إلى الهجرة عندما أغار “جنكيز خان” سنة 624 هـ/ 1226م على بلاد آسيا الصغرى. وبدأ عثمان يتوسع في أملاك الدولة البيزنطية، ثم قام بتنظيم الدولة العثمانية سنة 699هـ/1300م.
شكَّل العثمانيون وحدات خاصة عرفت باسم “الإنكشارية”، وتمكنوا بفضل هذه القوات الجديدة من التوسع سريعًا في كلٍّ من البلقان والأناضول، إلا أنهم هُزموا أمام قوات “تيمورلنك” في أنقرة سنة 804 هـ – 1402م. وتلت هذه الهزيمة فترة اضطرابات وقلاقل سياسية، ثم ما لبثت الدولة أن استعادت توازنها، وتواصلت سياسة التوسع في عهد مراد الثاني (832-854 هـ/1421-1451 م)، ثم محمد الفاتح (854- 885 هـ/1451-1481م) الذي استطاع أن يدخل القسطنطينية سنة856 هـ / 1453 م وينهي بذلك قرونًا من التواجد البيزنطي في المنطقة.

العثمانيون في مصر

استمرت دولة المماليك في مصر لأكثر من قرنين وفيهما انتصروا على المغول وهزموهم في “عين جالوت”. وقد جاءت نهاية هذه الدولة حين قام السلطان العثماني “سليم الأول” (920 هـ-1512 م/ 926 هـ-1520م) بفتح بلاد الشام بعد مواجهة المماليك في معركة “مرج دابق” شمالي “حلب”. وفي تلك المعركة أظهر السلطان المملوكي “الغوري” بسالة وثباتًا أمام العثمانيين بل وأوشك أن ينتصر عليهم، ولكن مدافع العثمانيين حالت دون ذلك وأدت إلى تشويش نظام المماليك ووقوع الرعب في قلوبهم، كما انحاز قائدا جناحيهما إلى العثمانيين، وانتهت المعركة بموت “قنصوه الغوري” تحت سنابك الخيل سنة 922 هـ/ 1516م.
خلف “الغوري” ابن أخيه “الأشرف طومان باي”، وفي عهده كانت المعركة الفاصلة بين المماليك والعثمانيين قرب سهل “بركة الحج” في عام  922 هـ/ 1517م، واقتتل الجيشان طويلاً وحارب المصريون ببسالة شديدة ولكنهم–  كما أسلفنا – لم يعرفوا البارود والمدافع، ومن ثمَّ كانت الغلبة للعثمانيين. وفرَّ “طومان باي” إلى القاهرة وزاد من تحصين قلعتها وحصونها، وبالرغم من ذلك لم تصمد أمام الهجوم العثماني.
وفي عام 923 هـ/1517م دخل السلطان “سليم الأول” القاهرة، أما “طومان باي” فكان مصيره الشنق على باب زويلة. وبقتل “طومان باي” انتهت دولة المماليك البرجية وأصبحت مصر ولاية عثمانية.
وبعد أن تحولت مصر إلى ولاية عثمانية وتحول القاهرة إلى مدينة تتبع العاصمة المركزية في استانبول كان لذلك تأثير واضح على الأحوال الفنية في مصر.

وبعد دخول العثمانيين مصر، انشغل ولاتهم بإدارة الحكم وجمع الأموال، ولذلك أصيبت الحياة الفنية بنوع من الركود. وقد أرسلت أعداد كبيرة من الفنانين المصريين لإسطنبول، بل وقد أرسلت أيضًا أجزاء من الرخام والعناصر المعمارية المنهوبة من القصور المصرية إلي العاصمة العثمانية. وتميَّز العثمانيون بشكلٍ عام على مدار تلك الفترة بصناعة السجاد، كما برعوا أيضًا في صناعة الرخام واستخدامه في عمل الكثير من اللوحات التأسيسية الخاصة بالمساجد والأسبلة، وأنتجوا كذلك العديد من التحف الرخامية والمنابر والأرضيات الرخامية. هذا وقد تميَّز العثمانيون أيضًا في صناعة التحف المعدنية التي ازدانت بثروة كبيرة من الزخارف الكتابية التي اشتملت على الآيات القرآنية. وتأثرت زخرفة العمائر في مصر في العصر العثماني تأثيرًا واضحًا بطريقة استخدام الكسوة الخزفية في زخرفة الجدران بالإضافة إلى براعتهم في استخدام البلاطات والفسيفساء الخزفية في تكسيه المآذن والقباب.
ويتضح لنا من العرض السابق أن العثمانيين لم يكونوا ضد الحركة الحضارية أو الفنية في مصر أو غيرها من الولايات العثمانية، بل استمرت عجلة التقدم والبناء في شتى الفنون المعمارية والزخرفية بالقاهرة وغيرها من المدن.

عاشت الدولة العثمانية أكثر من ستة قرون واجتاحت جيوشها الإسلامية أقاليم شاسعة في جنوبي شرق أوروبا ووسطها، وحارب العثمانيين أعظم ملوك أوروبا وطردوهم إلى بلاد المجر، وحاصروا فيينا عاصمة النمسا، واكتسحوا البحر الأبيض إلى شواطئ آسيا، ووجهوا مطامعهم إلى الجهة الأخرى نحو الشرق ففتحوا العراق والشام ومصر على يد “سليم الفاتح” وابنه “سليمان”.

سقوط الدولة العثمانية

كانت هناك عوامل داخلية وخارجية أدت إلى سقوط الدولة العثمانية. تمثلت الداخلية منها في انحدار “الإنكشارية” وإهمالهم لتدريباتهم وقلة ارتباطهم بثكناتهم؛ وهو ما أدى إلى ضعف قدرتهم القتالية والحربية. كما تولى الحكم سلاطين ضعاف وانشغلوا بأمورهم الخاصة، وأصبحت السلطة في يد كبير الوزراء (الصدر الأعظم) أو كبار قادة الإنكشارية وهو ما عجَّل بانهيار الدولة العثمانية.

أما العوامل الخارجية فتمثلت في تفكك الحكومة المركزية وانتصار الجيوش الأوروبية على الجيوش العثمانية بسبب تقدم الأسلحة الأوروبية التي كانت تفوق أساليبهم القتالية بالإضافة إلى الامتيازات الأوروبية التي بدأت تتدخل في شئون الدولة.

وانتهت الإمبراطورية العثمانية بشكل رسمي عام 1924م/ 1342هـ حين قام “مصطفى كمال أتاتورك” بإلغاء الخلافة العثمانية وإعلان قيام الجمهورية التركية بحدودها المعروفة حاليًّا.

آثار موقع مكتبة الإسكندرية

رأس لملكة
© متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية / ك. جريك

عرض للقسم

تُعد مجموعة آثار “موقع مكتبة الإسكندرية” من أبرز وأهم المجموعات التي يضمها متحف الآثار؛ فهي تعكس المستوى الفني المتميز وطبيعة الحياة اليومية للعصر الهلِّينيستي، والروماني، والمسيحي. كما تعد نواة المجموعات التي أُلحقت به بعد ذلك من مختلف المتاحف المصرية، إذ إنه عُثر عليها أثناء دق أساسات مبنى المكتبة الحالي.
ويضم هذا القسم مائة وإحدى عشرة قطعة أثرية يأتي على رأسها أرضيات الفسيفساء بالغة الجمال التي تؤرخ للعصر الهلِّينيستي، والتي يُعتتقد أنها كانت تُغطي أرضيات القصور الملكية التي كانت قائمة بهذه المنطقة.

مكتبة الإسكندرية الجديدة

في قلب الحي الملكي بمدينة الإسكندرية القديمة وأمام رأس “لوخياس” تقريبًا، أو ما يسمى حاليًا بالسلسلة، وعلى مساحة من الأرض كانت ضمن الأراضي المملوكة للجامعة، مساحتها حوالي 85000 متر مربع، خصصت لإحياء مكتبة الإسكندرية القديمة التي كانت منارة للعلم والثقافة ومشعلاً للحضارة ومعهدًا للبحث، وكذلك الأساس الذي قامت عليه جامعة الإسكندرية القديمة.

بدأت أعمال المراقبة الأثرية في موقع حفائر مكتبة الإسكندرية الحديثة عام 1993 وكشفت عناصر معمارية محطَّمة، ليست بمكانها القديم في طبقات الرديم، كما أظهرت آبار الحفر المئات من اللُقى الأثرية. تؤرخ غالبية هذه المجموعة  للعصر الهلِّينستي.

وكانت هذه المجموعة نواة متحف آثار مكتبة الإسكندرية الذي يضم 1131 قطعة أثرية جُلبت من مختلف المتاحف في أنحاء مصر، وذلك ليتكامل العرض المتحفي ممثلاً الحضارات التي تعاقبت على مصر بدءًا من العصر الفرعوني ومرورًا باليوناني الروماني ثم العصر البيزنطي والإسلامي.
وجدير بالذكر أن متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية هو الأول في العالم من حيث كونه داخل حرم مكتبة، كما أنه يضم أول قاعة متخصصة أُنشئت لعرض الآثار الغارقة في مصر تم انتشالها من منطقتي أبي قير والميناء الشرقية.

الآثار الغارقة

تمثال لملكة بطلمية
© متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية / ك. جريك

عرض للقسم

يعرض قسم الآثار الغارقة بعض القطع الأثرية التي تم انتشالها من قاع الميناء الشرقي بالإسكندرية، ومن خليج أبي قير – حيث كانت تقوم المدن القديمة “ثونيس-هيراكيلون”، و”كانوبس”، و”مينوثيس”. وتضم هذه المجموعة – بجانب العملات والحُليّ والأمفورات – مجموعة متفردة من التماثيل وبقايا التماثيل، والتي يظهر فيها التأثير الأجنبي على الفن المصري. ومن هذه النماذج المتميزة نذكر تمثالاً من البازلت الأسود يُعتقد أنه يُصوِّر إحدى الملكات البطلميات والتي قد تكون “أرسينوي الثانية”.
وقد رأت هذه القطع النور بفضل فريق “فرانك جوديو” الذي يعمل بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار. وكان “جوديو” (الذي يترأس المعهد الأوربي للآثار البحرية) قد بدأ التنقيب البحري في الإسكندرية منذ عام 1992.

الكشف عن المدينة الغارقة

يعود حلم اكتشاف آثار غارقة تحت الماء إلى أوائل القرن العشرين، منذ عام 1910، كان مهندس الموانئ الفرنسي “جونديه” Jondet مكلفًا بإجراء توسعات في ميناء الإسكندرية الغربي حيث اكتشف منشآت تحت الماء تشبه أرصفة المواني غرب جزيرة فاروس. وفي عام 1933 لعبت الصدفة دورًا في اكتشاف أول موقع للآثار الغارقة في مصر، وذلك في خليج أبي قير شرقي الإسكندرية، وكان مكتشفه طيار من السلاح البريطاني، وقد أبلغ الأمير “عمر طوسون” الذي كان معروفاً بحبه للآثار وكان عضواً بمجلس إدارة جمعية الآثار الملكية بالإسكندرية في ذلك الوقت، وقد قام الأمير بتمويل عملية البحث والانتشال التي أخرجت لنا رأسًا من الرخام للإسكندر الأكبر محفوظة الآن بالمتحف اليوناني الروماني بالاسكندرية.

وفي الستينيات قام كامل أبو السعادات أحد محترفي الغوص ومحبي الآثار، بوضع خريطتين للآثار الغارقة، الأولى للميناء الشرقي، أما الثانية فكانت لخليج أبى قير. وقد شارك أيضاً مع البحرية في انتشال بعض مكتشفاته من موقع الفنار في أبريل ونوفمبر من عام 1962 على التوالي. وانتهت هذه المحاولات بأكبر الأعمال في منتصف الثمانينيات، حيث قامت البحرية الفرنسية بالتعاون مع هيئة الآثار بدراسة موقع غرق أسطول نابليون وانتشال بعض مخلفاته. كما تم تحديد موقع السفينة “باتريوت”.

ومع بداية التسعينيات توافدت البعثات الأجنبية المهتمة، وبدأت العمل في البحث والتنقيب عن الآثار الغارقة في مصر. ويعد موقع قلعة “قايتباي” من أهم مواقع تلك الآثار، وتبلغ مساحته 22500 متر مربع ويحتوي على أكثر من 3000 قطعة أثرية معمارية.
وفي عام 1992 قام المعهد الأوروبي للآثار البحرية بأول عملية مسح شامل للتراث الأثرى بموقع الميناء الشرقي. واستطاعت البعثة تحقيق إنجاز علمي برسم خريطة طبوغرافية علمية دقيقة لمواقع الآثار الغارقة للميناء الشرقي. وقد أكدت أعمال المسح والحفائر وجود موانئ عديدة داخل الميناء الشرقي.

‏كما تم‏ ‏الكشف عن ‏مجموعة‏ ‏كبيرة‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الآثار ‏في‏ ‏مدينة‏ “‏هيرا‏كليون”‏ ‏الغارقة‏ ‏والتي‏ ‏اكتُشفت‏ ‏عام  2000‏ بواسطة المستكشف‏ ‏الفرنسي‏ “‏فرانك‏ ‏جوديو “‏Franck Goddio، ‏وكذلك في منطقة شرق‏ ‏كانوبس‏ ‏التي‏ ‏اكتشفها‏ ‏جزئيًّا‏ ‏عمر‏ ‏طوسون‏ ‏عام‏ 1934، ثم أعادت بعثة المعهد الأوروبي اكتشاف الموقع.
أما أسطول “نابليون” الغارق في قاع خليج أبي قير، فقد حدد “أبو السعادات” سبعة مواقع لسفن الأسطول قرب جزيرة نيلسون عام 1966. وانضمت له البعثة الفرنسية “بونابرت” بقيادة “جاك دوما” في عام 1983. وقد قامت البعثة بمشاركة البحرية الفرنسية والمصرية بانتشال مجموعة كبيرة من حطام الأسطول.

آثار مصر الغارقة تطوف حول العالم

وقد وافق وزير الثقافة على بدء عدد من الجولات لعرض تلك الرموز التي تعكس فكر ونبض الإنسان القديم بعدد من المدن الأوروبية لكي يتمكن العالم من الاطلاع علي جزء أسطوري وتاريخي مهم من حضارة مصر القديمة.

ويضم المعرض الذي يتنقل بين مدن العالم 489 قطعة أثرية نادرة، من متحف آثار مكتبة الإسكندرية، ومتحف الإسكندرية القومي، والمتحف اليوناني الروماني ومخازن الآثار الغارقة ومعمل الترميم بالإسكندرية.

وقد أقيم المعرض في المدن التالية:

المدينة البلد مكان العرض مدة العرض
من إلى
 برلين  ألمانيا  مبنى مارتن جروبيوس 13 مايو 2006  4 سبتمبر 2006
 باريس  فرنسا  القصر الكبير  9 ديسمبر 2006  16 مارس 2007
 بون  ألمانيا قاعة الجمهورية الإتحادية الألمانية للفنون والمعارض  5 إبريل 2007  27 يناير 2008
 مدريد  إسبانيا  قصر الكريستال  16 إبريل 2008  31 ديسمبر 2008
تورينو  إيطاليا  منطقة “لا فينايرا ريالي”  7 فبراير 2009  3 يونيو 2009
يوكوهاما   اليابان  مركز باسيفيكو للمؤتمرات  27 يونيو 2009  23 سبتمبر 2009
 فيلادلفيا  الولايات المتحدة الأمريكية  معهد فرانكلين  يونيو 2010  يناير 2011
سينسيناتي  الولايات المتحدة الأمريكية مركز سينسيناتي للمتاحف فبراير 2011 سبتمبر 2011
ميلواكي  الولايات المتحدة الأمريكية المتحف العام أكتوبر 2011 إبريل 2012
لوس أنجلوس  الولايات المتحدة الأمريكية مركز كاليفرنيا للعلوم مايو 2012 ديسمبر 2012

 

 

للمزيد من المعلومات عن معرض“كنوز مصر الغارقة” (اضغط هنا)

المجموعات المؤقتة

تمثال للإلهة “يوثينيا”
© متحف الأثار بمكتبة الإسكندرية / م. صبحي محمد علي

عرض للقسم

كان الحرص الدائم على تقديم كل ما هو جديد لزائري متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية هو الدافع لاستعارة بعض القطع الفريدة من المتحف اليوناني الروماني لعرضها بشكل مؤقت. تضم هذه المجموعات قطعًا متميزة فنيًّا وتاريخيًّا وأثريًّا؛ إذ تنتمي لموضوعات ومجالات متنوعة وترجع لعصور تاريخية مختلفة وهي كالآتي:
أولاً: مجموعة المحمرة التي اكتشفت بمنطقة سيدي بشر وترجع للعصر الروماني.
ثانيًا: مجموعة من الأقنعة الجنائزية.
ثالثًا: مجموعة تماثيل معبد الرأس السوداء الرومانية.
رابعًا: مجموعة خاصة بالإلهة إيزيس ومخصصاتها.
خامسًا: قطع منفردة مثل رأس الإمبراطور أوكتافيوس، وتمثال الراعي الصالح، وذراع من الرخام.

آثار منطقة المحمرة

في يناير 1973، أثناء الحفر بمنطقة المحمرة بسيدي بشر، وعلى عمق متر واحد من مستوى الأرض الحالي عُثر بطريق الصدفة على مجموعة من التماثيل من الرخام، بالإضافة إلى حامل مائدة (أو مرآة)، تتراوح ارتفاعات القطع ما بين 30 إلى 140 سنتيمترًا.
هذا الموقع لا يزيد عن مجرد إطار دائري غير مسقوف ومبني من مواد طينية، ويوجد حائط روماني ملاصق للموقع، كما عُثر على بُعد بضعة أمتار من موقع المحمرة وعلى نفس المستوى الأرضي لموقع الاكتشاف على صهريج مياه روماني تعلوه كنيسة لم تحدد بعد ملامحها لعدم إتمام الحفر بالمنطقة.

معبد الرأس السوداء

معبد الرأس السوداء

تم اكتشاف هذا المعبد في منطقة الرأس السوداء عام 1936 على الطريق المؤدي إلى منطقة أبي قير.  يرجع تاريخ هذا المعبد إلى الفترة الزمنية الممتدة من القرن الثاني الميلادي إلى القرن الثالث الميلادي. والمعبد يتكون من سلم يؤدي إلى دهليز به أربعة أعمدة أيونية. يتوسط هذا الدهليز قدم نذرية مرتدية نعل  مكشوف على دعامة من الرخام عليها نقش باللغة اليونانية يوضح أن إيزودورس الفارس الروماني كان قد سقط وكسرت قدمه، وعندما تماثل للشفاء بنى هذا المعبد للإلهة إيزيس تقديرًا لها ولباقي الآلهة على شفائه. وفي نهاية الدهليز وجدت عدة تماثيل على قاعدة كبيرة وهي للآلهة إيزيس،  وحربوقراط، وهيرمانوبيس، وأوزير-كانوبس.

جزيرة نلسون

موقد لطهي الطعام
© البعثة الأثرية لجامعة تورينو بجزيرة نلسون

عرض للقسم

تقع جزيرة نلسون على بُعد أربعة كيلومترات من رأس خليج أبي قير وثمانية عشر كيلومترًا من قلب الإسكندرية. وقد بدأت البعثة الإيطالية برئاسة “باولو جاللو” من جامعة “تورين” أعمالها في جزيرة نلسون عام 1998، وأثمرت جهودها بالكشف عن أكثر من 200 قطعة ذات أهمية أثرية كبيرة ساهمت بشكل أساسي في فهم حياة وثقافة قاطني الجزيرة القدماء. ومن بين هذه الاكتشافات قطع ترجع إلى الأسرة المصرية السادسة والعشرين وإلى العصر البطلمي، هذا بالإضافة إلى بعض القطع والنقوش والقبور التي تعود إلى فترة الوجود البريطاني بعد معركة النيل في أغسطس من العام 1798. ويضم متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية 183 قطعة من القطع الأثرية المكتشفة على جزيرة نلسون.

 نبذة تاريخية

في أواخر عصر الأسرات المصرية القديمة (من الأسرة السادسة والعشرين حتى الأسرة الثلاثين) اقتصر استخدام جزيرة نلسون كجبَّانة من قِبل سكان كانوب وهيراكليون، وهما مدينتان كبيرتان تقعان على بعد بضعة كيلومترات من الجزيرة، وهما غارقتان في أعماق خليج أبي قير حاليًّا. وفي عهد الإسكندر الأكبر كانت جزيرة نلسون، والتي يبلغ طولها في الوقت الحالي حوالي 350 مترًا، عبارة عن رأس نتوء طويل يتصل باليابسة من خلال لسان ضيق؛ إذ إن البقايا الأثرية التي عُثر عليها بالجزيرة تشير إلى أنها جزء من موقع أثري ضخم أغلبه مغمور تحت مياه البحر.

وفي نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، أقام الإغريق مستوطنة جديدة على موقع الجبانة المصرية القديمة، وكان ذلك خروجًا عن العرف اليوناني القديم الذي لم يعهد بناء المدن على أماكن الجبانات. وتفسر الأهمية الاستراتيحية للموقع هذا الاختيار غير التقليدي؛ فقد كان الجزء العلوي من الجزيرة هو أفضل مكان في الخليج للتحكم في حركة الملاحة البحرية بهيراكليون؛ حيث كان أكبر ميناء في مصر قبل تأسيس الإسكندرية.
وقد اكتسبت تلك المستوطنة الإغريقية في جزيرة نلسون، والتي لا يزال اسمها القديم مجهولاً، أهمية خاصة في عهد الملك بطلميوس الأول. واتضح اهتمام تلك المملكة البطلمية الوليدة من خلال تشييد العديد من المباني العامة الضخمة؛ فبُنيت الجدران الحجرية الضخمة، التي يبلغ سُمكها خمسة أمتار، لحماية الجزء الشرقي من المستوطنة، بينما شُيِّد على الجانب الغربي مبنى كبير – ربما كان معبدًا –  على الطراز الدوري، ويتراوح طول أعمدته من سبعة إلى ثمانية أمتار. وعلى مسافة قريبة يوجد صهريج عام ضخم لمد المستوطنة بالمياه، ويبلغ طوله 26 مترًا وعرضه 13 مترًا وبه أربعة أحواض متصلة ببعضها لتوصيل للمياه تسع مجتمعةً 1000 متر مكعب. وربما يُعد هذا الصهريج أكبر الصهاريج التي تؤرخ إلى العصر الهلِّينستي المبكر في منطقة البحر المتوسط، والتي كانت مـٌعدَّة لتجميع مياه الأمطار.
أما فيما يخص الحي السكني، فقد كان يتكوَّن من مبانٍ ضخمة، لها جدران مزخرفة، مُصممة وفقًا للطراز اليوناني. وضمت المنازل مطابخ كاملة وحمامات وغرف للنوم. وبما أن أعمال التنقيب بصفة عامة في الإسكندرية لم تسفر عن منازل كاملة، فقد صارت لمساكن جزيرة نلسون وأطلالها أهمية أثرية فريدة.
وعلى الرغم من هذه الاستثمارات الحكومية، فإن عمر الاستيطان اليوناني في جزيرة نلسون كان قصيرًا للغاية؛ فلأسباب لا تزال غير معروفة، هَجَر السكان جزيرة نلسون في نهاية الربع الأول من القرن الثالث قبل الميلاد، تاركين خلفهم العديد من الأدوات المستخدمة في الحياة اليومية التي عثر عليها علماء الآثار في موضعها الأصلي داخل المنازل. وحيث إنه لا توجد إشارات واضحة لتعرُّض الموقع للاحتلال أو لاستخدامه لأغراض الدفن في أواخر العصر البطلمي أو العصر الروماني، فربما كان التغيُّر الجيولوجي الذي حوَّل هذا اللسان البحري إلى جزيرة صغيرة خلال النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد هو سبب هجر الموقع.
وفي القرن الخامس الميلادي، أصبحت الجزيرة محجرًا؛ حيث شكل العمال مستوطنة فقيرة هجرها سكانها في نهاية القرن السابع الميلادي، وهو نفس وقت هَجْر كلٍّ من  مدينتي كانوب وهيراكليون.
وفي أثناء الحروب البريطانية الفرنسية، والتي كان الغرض من ورائها السيطرة على البحر المتوسط، أصبح خليج “أبي قير” هدفًا حساسًا، ولعبت جزيرة نلسون دورًا استراتيجيًّا هامًّا نظرًا لموقعها الجغرافي في  قلب الأحداث. فبعد “معركة النيل” عام 1798، احتلت البحرية البريطانية جزيرة “أبي قير” وأعاد الجنود تسميتها على اسم قائدهم الأدميرال “هوراشيو نلسون”. وفي عام 1801 استخدمت القوات البريطانية التابعة للجنرال “أبركرومبي” خليج “أبي قير” مكانًا لنزول حملتهم  بمصر. وخلال تلك العمليات أصيب كثير من البريطانيين، كما دُفن العديد منهم في جزيرة نلسون. وقد جرت بعض أعمال الحفائر في “جبانة الحرب” تلك، وتلاها في عام 2004 إعادة دفن رفات الجنود البريطانيين في مقبرة “الكومنولث” العسكرية في منطقة الشاطبي بالإسكندرية.
منقول للفائدة

عن misrexpo

شاهد أيضاً

الخضراوات

كتاب : تربية الطماطم لتحمل الظروف البيئية القاسية سلسلة تربية محاصيل الخضر كتاب : تربية الطماطم …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: